أثر النية الحسنة في استدامة الأوقاف – خالد الأنصاري

للأوقاف في حياة الأمة أثرٌ يتجاوز زمن إنشائها وإعمار واقفيها؛ فكم من واقفٍ غاب شخصه، وبقي إحسانه يواسي فقيرًا، ويعلّم جاهلًا، ويسقي ظمآن، ويعين طالب علم! وتلك منزلةٌ جليلةٌ من منازل البذل: أن يجعل المرء من ماله بابًا للخير، يبقى مفتوحًا بعد رحيله، ويصل به حاضرَه بمستقبلٍ لا يدركه، راجيًا ثواب الله عزوجل وفضله.

ووراء هذا البذل نيةٌ تحمل صاحبها على إخراج المال من حظوظ نفسه إلى مصالح عباد الله تعالى؛ فإذا صلحت النية، سمت الغاية، وصار الحرص على بقاء النفع جزءًا من صدق القصد. ومن هنا تتأكد العناية بأثر النية الحسنة في استدامة الأوقاف؛ فهي أصلٌ في طلب الأجر، وباعثٌ على الإحسان، ورقيبٌ على الأمانة، ودافعٌ إلى صيانة ما أُوقف وتنميته.

وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- أصل هذا الباب في قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».متفق عليه.

فالوقف قد تتشابه صوره الظاهرة، وتختلف مقاصد أصحابه؛ ومحل التفاضل عند الله ما قام بالقلوب من إخلاص، وما وافقه من عمل صالح.

والنية الحسنة هنا قصدُ وجه الله عز وجل، وابتغاء مرضاته، ونفع عباده على هدي شريعته؛ قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].

ومن أبلغ ما يصوّر الصلة بين إخلاص القصد ورسوخ العطاء قول الله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265].

فهذا مثلٌ قرآنيٌّ يقرن الإنفاق المخلص بصورة الجنة المثمرة، ويملأ قلب الباذل رجاءً في بركة ما قدّم.

ولا يلزم من ذلك أن نحكم لكل وقفٍ طال بقاؤه بإخلاص واقفه، أو لكل وقفٍ تعثّر بفساد نيته؛ فالسرائر توكل إلى الله عزوجل، وللبقاء والتعثر أسبابٌ متعددة، وإنما المقصود بيان ما يبعث عليه الإخلاص من رعاية العمل وإحسانه.

ومن شواهد صدق البذل قصة أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه؛ فقد كانت بيرحاء أحبَّ أمواله إليه، فلما نزل قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، بذلها، وقال: «وإنها صدقةٌ لله، أرجو برَّها وذخرَها عند الله»؛ فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى جعلها في الأقربين؛ كما في الحديث المتفق عليه.

وفي موقفه درسٌ للواقفين في اختيار الطيب المحبوب من المال، وطلب الذخر عند الله عزوجل، والرجوع إلى أهل العلم في توجيه البذل إلى موضعه الأنفع.

وأما النموذج المؤسِّس لمعنى الاستدامة الوقفية، فهو وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرضَه بخيبر؛ إذ استشار النبي صلى الله عليه وسلم في مالٍ نفيسٍ عنده، فقال له: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها» ؛ فتصدّق بها عمر رضي الله عنه ، وجعل أصلها محفوظًا عن البيع والهبة والإرث، وجعل نفعها في وجوه البر المذكورة في الخبر المتفق عليه.

وهنا اجتمع شرف المقصد مع إحكام الوسيلة: مالٌ مختار، ومشورةٌ نبوية، وأصلٌ محفوظ، ومصارفُ معلومة؛ وفي ذلك ما يرشد إلى أن العناية بمستقبل الوقف تبدأ منذ إنشائه، حين تُضبط وجهته، وتُحفظ أصوله، وتُبيَّن حقوق المستفيدين منه.

وتأتي قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه مع بئر رومة لتكشف عن بُعدٍ آخر في البذل: أن يتجه المال إلى حاجة الناس، وأن يُفتح لهم موردٌ ينتفعون به.

فقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى شرائها وجعل الانتفاع بمائها للمسلمين، ووعد على ذلك بخيرٍ منها في الجنة؛ فاشتراها عثمان من ماله، كما عند الترمذي.

إن موضع العبرة هنا استجابةُ صاحب المال لوعد الآخرة، وتسخيرُ أصلٍ نافعٍ لسد حاجةٍ متكررة؛ فالماء يُطلب كل يوم، والعطاء الذي ييسّر مورده تتجدد منفعته بتجدد الحاجة إليه.

وهذه وجهةٌ ينبغي أن يتأملها الواقف حين يختار مشروعه: أين تشتد الحاجة؟ وأيُّ الأصول أقدر على استمرار خدمتها؟

وفي قصة بناء المسجد النبوي شاهدٌ آخر على وضوح القصد؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني النجار: «ثامنوني بحائطكم هذا» فقالوا: «لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» أخرجه البخاري.

وهذه الكلمة تصور نفوسًا ترجو عوض الله فيما تبذل، ثم تتابع العمل في تهيئة الموضع وبناء المسجد؛ فاجتمع البذل مع العمل، وصار المكان موضع صلاةٍ وتعليمٍ واجتماعٍ للمسلمين.

ومن هذه القصة يُستفاد أن المبادرة الصالحة تحتاج إلى جهودٍ تحملها إلى غايتها؛ فكما شرفت الرغبة في العطاء، شرف العمل الذي حقق منفعته.

وتلتقي هذه المواقف في معانٍ متكاملة: فأبو طلحة رضي الله عنه بذل أحب ماله، وعمر رضي الله عنه استشار في حفظ أصل ماله وتسبيل نفعه، وعثمان رضي الله عنه استجاب لحاجة المسلمين إلى الماء، وبنو النجار أعلنوا رجاءهم فيما عند الله عزوجل.

وهي دروسٌ في بناء الوقف على إخلاص الغاية، وجودة الأصل، وحسن التوجيه، وخدمة الحاجة؛ مع بقاء الحكم على سرائر العباد إلى ربهم سبحانه.

فالواقف الذي يريد امتداد الأجر يعتني بأسباب استمرار المنفعة بإذن الله تعالى؛ فيختار للوقف مالًا مناسبًا، ويوثّق وقفيته، ويُحسن تحديد مصارفه، ويستشير أهل العلم والخبرة، ويختار لنظارته من يجمع الأمانة والكفاية.

وهذه الأعمال من مقتضيات صدق قصده؛ إذ كيف يرجو بقاء النفع ثم يُعرض عن الأسباب التي تحفظه؟ وكيف يبتغي إحسانًا ممتدًّا ثم يترك أصله عرضةً للإهمال أو التنازع؟

ومثل ذلك الناظر؛ فإن استحضاره التعبّد لله عزوجل بخدمة الوقف يعينه على أداء حقه، ومراجعة حساباته، وصيانة ممتلكاته، واختيار ما يصلح له من وجوه التنمية المباحة المدروسة؛ وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].

ومال الوقف أمانةٌ تتعلق بها حقوقٌ ومصالح؛ فلا تُقدَّم فيها محاباةٌ على استحقاق، ولا منفعةٌ خاصة على مصلحة الوقف، ولا حماسةٌ عابرة على نظرٍ متأنٍّ يستعين بأهل الاختصاص.

وإن من ثمرات النية الصالحة أن تجعل صاحبها أبعدَ نظرًا من العائد العاجل؛ فيوازن بين إيصال المنفعة إلى مستحقيها اليوم، وحفظ قدرة الوقف على نفعهم غدًا، وفق مقتضى الوقفية وأحكام الشرع.

فصيانة مبنى الوقف، ومعالجة تعطله، وتحسين إدارته، ومتابعة تحصيل حقوقه، أعمالٌ قد لا تستوقف الأنظار، ولكنها تخدم الغاية التي بُذل المال من أجلها.

وكم من منفعةٍ انقطعت بتراكم إهمالٍ يسير، كان يمكن تداركه بمتابعةٍ أمينة!

ومن الآثار الجامعة في هذا الباب قول الإمام عبدالله بن المبارك – رحمه الله – كما ذكر الذهبي في «السير» (400/8): «رُبَّ عملٍ صغيرٍ تُكثِّره النية، ورُبَّ عملٍ كثيرٍ تُصغِّره النية».

وهذا يفتح باب الرجاء لمن قلّ ماله، ويبعث القادر على مراجعة قلبه؛ فقد يسهم المرء بسهمٍ وقفيٍّ يسير، أو كتابٍ نافع، أو خدمةٍ أمينة لوقفٍ قائم، ويعظم أجره بصدق قصده.

فليس فضل الوقف محصورًا في ضخامة أصله، وإنما يُرجى فضله بإخلاص صاحبه، وحِلِّ ماله، وصلاح مصرفه، وما يتحقق به من نفع.

كما أن صدق النية يعين على صيانة كرامة المستفيد؛ فمن أعطى لله عزوجل لم يجعل حاجة الناس سبيلًا إلى إذلالهم، ولم يتبع إحسانه منًّا يجرح قلوبهم؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264].