إيران في زمن الحرب، لا تبدو كما تظهر عليه في الإعلام الإيراني، فبنية النظام معقدة ومتشابكة، إلى درجة يصعب معها تحديد من يملك القرار، ومن يحدد السياسات العامة، ومن يقود فعلاً المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة.فقد كشفت مطالبة النائب أمير حسين ثابتي، باستجواب وزير الخارجية عباس عراقجي، لاجتماعه في نيويورك، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، من دون تفويض رسمي، عن الحدود الدبلوماسية المعطاة لوزير الخارجية في التعاطي مع مسألة المفاوضات، وإدارة ملف حساس من دون تنسيق مع الجهات صاحبة القرار النهائي، حتى وإن كان الاجتماع هدفه إبلاغ الجانب الأمريكي بالشروط الإيرانية فقط، إذ يرى محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، أن الشروط الإيرانية كان من المقرر إبلاغها إلى «الوسطاء»، وليس إلى الأمريكيين مباشرة، في حين يراه آخرون أنه يدخل ضمن صلاحيات الوزير، باعتباره يمثل رأس الدبلوماسية الإيرانية، وأن إيران تحتاج في الظروف الحالية إلى وزير خارجية قادر على مواصلة المفاوضات والاتصالات، لا الدخول في معركة سياسية داخلية بشأنه.يبقى أن طلب الاستجواب، رغم عدم إحالته رسمياً بعد إلى هيئة رئاسة البرلمان، إلا أنه يشكل اختباراً للتوازن بين الرقابة البرلمانية ومتطلبات إدارة ملف دبلوماسي وأمني شديد الحساسية، ويكشف عن فجوة عميقة في بنية النظام، وعن تشابك الصلاحيات بين الجهات التي تقرر. وقد برزت هذه الفجوة بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في فبراير/شباط 2026 وتولي نجله مجتبى منصب المرشد، لكن غياب الأخير وعدم ظهوره إلى العلن حتى الآن، ترك فراغاً في بنية النظام، كان المرشد وحده يملأه، باعتباره وفق الدستور يتمتع بسلطة على القضاء، والقوات المسلحة، والحرس الثوري، ومجلس صيانة الدستور، والحكومة ووسائل الإعلام، بمعنى أن المرشد وحده القادر على رسم توازنات القوة، وتحديد مفاصل السياسة الخارجية والملف العسكري.لذلك، فإن الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس مجلس الشورى (البرلمان) محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، هم مجرد أدوات تنفيذية لأصحاب القرار، وهم «مجموعة ضيقة» من جنرالات الحرس الثوري السابقين والحاليين يحكمون من وراء الكواليس عبر لجنتين شكلهما مجتبى لإدارة الاتصالات السياسية والعسكرية، وتنقل الرسائل إليه يدوياً عبر رجال الحرس الثوري المسؤولين عن حمايته، لتجنب التعقب الإلكتروني. وهذه «المجموعة الضيقة» تضم أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري، ومحمد باقر ذو القدر، المستشار السياسي للمرشد، وغلام حسين محسني إجني، رئيس السلطة القضائية، ومحسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد.هذه التعقيدات في بنية النظام الإيراني التي ترخي بظلالها على الدور الدبلوماسي الذي يقوم به وزير الخارجية عراقجي، تلتقي مع تقديم وزير النفط محسن باك نجاد استقالته «لأسباب شخصية» كما قال، فيما تواجه بلاده حرباً أمريكية وحصاراً اقتصادياً ونفطياً شاملاً أديا إلى تفاقم الأزمة المعيشية، ما جعل إيران تمر بواحدة من أصعب المراحل في تاريخها.