لا تمثّل التقنية الكمية خطوة تطورية في مسار الحوسبة التقليدية، فمعظم ما شهدناه خلال العقدين الماضيين لم يتجاوز كونه تحسيناً للنماذج الكلاسيكية القائمة. أما الحوسبة الكمية فتعمل بمنطق مختلف كلياً، ومن شأنها أن تغيّر كيفية محاكاة الطبيعة، ومعالجة المعلومات المعقّدة، وتأمين الأصول الرقمية.والأهم أنها لم تعد احتمالاً بعيداً، فقد أصبحت الحكومات والشركات تتسابق بالفعل على تطويرها وتخصص لها تمويلاً وجداول زمنية واضحة. وفي مايو 2026، أعلنت شركة «IBM» اعتزامها ضخ أكثر من 10 مليارات دولار في مجال الحوسبة الكمية على مدى خمس سنوات، مستهدفةً إطلاق نظامها الكمي عالي الموثوقية «Starling» بحلول عام 2029. أما الشركات التي تنتظر اكتمال الصورة، فستكتشف لاحقاً أن القرارات المصيرية المتعلقة بهذا الشأن قد تم اتخاذها بالفعل.**media[8169112,8169113,8169114]**كانت بعض القرارات الأكثر تأثيراً في مركز دبي للسلع المتعددة وليدة محادثة واحدة، ويعتبر مركز «كوانتوم» واحداً منها.في عام 2025، استضفتُ في برج أبتاون وفداً من شركة «IBM» ضمّ لولا موهانتي، الشريكة الإدارية في «IBM Consulting» للشرق الأوسط وإفريقيا، إلى جانب زميليها مصطفى ظافر وماركو فوغيلي. وكانت «IBM Consulting» شريكاً قائماً لمركز الذكاء الاصطناعي في مركز دبي للسلع المتعددة. وخلال جولتنا في الطوابق التي تضم شركات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة والألعاب الإلكترونية، اقترحت لولا إضافة مركز للحوسبة الكمية.سألتها: هل حان الوقت؟ جاء جوابها مباشراً: عاجلاً لا آجلاً، ستطال التقنية الكمية حياة الجميع، في بيئة العمل والحياة اليومية على حد سواء.وحين يصدر هذا الكلام عن «IBM»، فلا مجال للتشكيك فيه، ولا داعي لتكليف إحدى كبريات شركات الاستشارات لتخبرنا بما قاله لنا مُطورو هذه التقنية وجهاً لوجه. وهكذا وُلد مركز «كوانتوم»، والفضل في الفكرة يعود إلى لولا.وفي يوليو 2025، قمت بزيارة مركز «IBM Research Almaden» في سان خوسيه، حيث استقبلني جوناثان أداشيك وجيفري ويلسر ودارميندرا مودها. تناولنا موضوعات الذكاء الاصطناعي والسحابة الهجينة والأنظمة الكمية والحوسبة العصبية المستوحاة من بنية الدماغ البشري، وغيرها من المواد المتقدمة، كما أتيحت لي فرصة تحريك ذرة مفردة بنفسي عبر المجهر الذري. وقد أدركت حينها عمق الترابط بين علوم المواد والبحث الكمي، وهو ترابط يكتسب أهمية بالغة بالنسبة لمجتمع يتمتع بجذور راسخة في عالم الألماس كمجتمعنا.نسبق السوق إلى وجهتهتأسس مركز «كوانتوم» ليساعد الشركات على التوجُه إلى حيث ستكون السوق غداً، لا اليوم. وهكذا نستقطب شركات التقنية الكمية العالمية التي نريدها أن تتواجد في دبي، وهذه الشركات تحسم قراراتها الآن - أين توظف، وأين تختبر تقنياتها، وأين تبني شراكاتها – ولهذا، فمن سينتظر وضوح الصورة سيجد نفسه خارج المعادلة.وقد اتّبعنا النهج ذاته مع مراكز الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة والألعاب، فبناء المجتمع أولاً، يساعد الشركات على معرفة مسارها حين تتبلور السوق. أما بناء منظومة متكاملة فقد يستغرق سنوات، إذ إن المواهب والعلاقات ورأس المال والثقة التجارية لا تُبنى بين عشية وضحاها. كما أن البدء بشكل مبكر يمنح شركاتنا الأعضاء - أكثر من 26000 شركة - منها أكثر من 4000 في قطاع التكنولوجيا، الوقت الكافي للتعلم والاختبار وترسيخ مكانتها قبل أن تصبح الحوسبة الكمية ضرورة تنافسية.لكن ذلك لا يعني المبالغة في التوقعات، فالتقنية الكمية تمتد على ثلاثة محاور: الحوسبة والاتصالات والاستشعار، وكل منها يسير بإيقاعه الخاص، حيث إن بعض القدرات هي بالفعل متاحة للبحث اليوم، في حين يحتاج بعضها إلى سنوات من التطوير الهندسي. ومن دورنا مساعدة الشركات على التمييز بين الاثنين. وستعمل الحواسيب الكمية جنباً إلى جنب مع الحواسيب التقليدية لا بدلاً منها، وستكمن قيمتها في معالجة المسائل التي تعجز عن حلها الأنظمة الحالية، مثل محاكاة الجزيئات والمواد.**media[8169116,8169117,8169120]**السباق العالميإن التقدم حقيقي وملموس، ففي ديسمبر 2024، أثبت معالج «Willow» من «Google» أن معدلات الخطأ تتراجع كلما تطورت نُظم التصحيح، وهو ما يُعرف بالعمل دون عتبة الخطأ. وفي أكتوبر 2025، أعلنت «Google» ما وصفته بأنه أول تفوّق كمّي قابل للتحقق، إذ تمكنت من تنفيذ خوارزمية بسرعة تفوق أسرع الحواسيب التقليدية في العالم ب 13000 مرة. وقد كشفت «IBM» عن معالجها «Nighthawk»، كما تعمل على تطوير معالجها «Starling» بقدرة تصل إلى 200 كيوبت منطقي بحلول عام 2029. وتشكّل الأجهزة التقليدية جزءاً من المعادلة أيضاً، فقد عرضت «IBM» برنامجاً لتصحيح الأخطاء يعمل في الوقت الفعلي على رقائق «AMD» القياسية، مما يخفض تكلفة أنظمة التحكّم.ويتجه المجال أيضاً نحو المزيد من التنوع والاتساع، ففي مايو 2026، أعلنت شركة «Imec» عن أول جهاز كيوبت سيليكوني مُصنَّع بأحدث تقنيات الطباعة الحجرية «ASML». وتشهد الرقائق الضوئية تطوراً متسارعاً، حيث قامت «Google» بإضافة الذرات المتعادلة إلى برنامجها. وفي أوروبا، أدرجت «IQM» أسهمها في بورصة «Nasdaq» وسلّمت أنظمة تجارية لكبرى مراكز الحوسبة الفائقة، من بينها أول نظام لها في الولايات المتحدة بمختبر «Oak Ridge» الوطني، كما ستقوم بتزويد مصنع «LUMI AI» الأوروبي بنظام يتمتع بقدرة 150 كيوبت في 2027. أما في الصين، فقد أطلقت «Origin Quantum» آلة بقدرة 180 كيوبت مع إتاحة الوصول السحابي، فيما يظل القمر الصناعي «ميسوس» المرجع الأبرز في الاتصالات الكمية بعيدة المدى.وتعد هذه محطات تقدُم لا منتجات نهائية، حيث لم تتحول تلك النتائج بعد إلى قيمة تجارية. لكن اتجاه الاستثمار وحجمه لا يقبلان التأويل.لقاء الألماس بالتقنيات الكميةيمتد تأثير التقنيات الكمية إلى عالم المواد المتقدمة أيضاً، وهنا تحديداً يلتقي إرثنا بهذه التقنية. فالعيوب المُهندَسة بدقة في الألماس الاصطناعي، كمراكز النيتروجين الشاغرة، تستطيع أن تعمل ككيوبتات ومستشعرات، يعمل بعضها في درجات حرارة الغرفة العادية. وتعمل شركة «Quantum Brilliance» على تطوير أنظمة تقنية للألماس تعمل في درجة حرارة الغرفة، قامت بتوفيرها في مختبر «Oak Ridge» الوطني ومعهد «Fraunhofer IAF» ومركز «Pawsey» للحوسبة الفائقة. وفي سبتمبر 2026، كشفت كل من «Fujitsu» وجامعة «TU Delft» للتكنولوجيا ومعهد «QuTech» البحثي عن نموذج أولي يجمع مراكز القصدير الشاغرة في الألماس بالدوائر الضوئية، ويعمل هذا النهج عند درجة حرارة 1.55 كلفن. وتعد المواصفات أمراً حاسماً في هذا المجال: فالألماس الاصطناعي المخصص للمجوهرات لا يلبّي تلقائياً متطلبات الأجهزة الكمية. إذ تتوقف قيمة الألماس على مقدار النقاء والعيوب المضبوطة وجودة التصنيع في نهاية المطاف.ويشمل قطاع الألماس المُصنَّع مخبرياً، الذي أسّسناه في أغسطس 2026، عدة تطبيقات محتملة تمتد من أشباه الموصلات ورقائق الألماس إلى تقنيات الحوسبة الكمية. فلم يعد الألماس الاصطناعي مرتبطاً بالمجوهرات وحدها، بل أصبح اليوم مادة يتم هندستها بدقة، وحلقة وصل بين إرث دبي التجاري ومستقبلها التقني.الميزة المزدوجة لدولة الإماراتتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بموقع متميز يؤهلها للمشاركة في هذا السباق. فأبوظبي توفر قاعدة بحثية وطنية، إذ يقوم معهد الابتكار التقني بتصميم رقائقه الكمية فائقة التوصيل وتصنيعها، وقد كشف في أكتوبر 2025 عن منصته الخاصة لإلكترونيات التحكم «منارات»، وأتاح الوصول السحابي إلى معالجاته الكمية في فبراير 2026. كما اختبر المعهد توزيع المفاتيح الكمية على شبكة تجريبية في سوق أبوظبي العالمي ADGM، وقام بتوقيع اتفاقية مع شركة «Space42» لإنشاء أول شبكة اتصالات كمية من الفضاء إلى الأرض في الإمارات.أما دبي فتوفر البوابة التجارية. ومع نضوج الأنظمة الكمية، سيحتاج مزودو التقنية والمستثمرون والمؤسسات التي تتبناها إلى مكان موثوق للالتقاء والتداول والتطوير.الأمن لا يحتمل الانتظاريبقى الأمن السبب الأكثر إلحاحاً للتحرك الآن. ففي أغسطس 2024، أتم المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة اعتماد أول ثلاثة معايير للتشفير ما بعد الكمي. وقد تصبح البيانات التي يجري اعتراضها اليوم قابلة لفك التشفير مع نضوج الحواسيب الكمية، لذلك يتعين على أي جهة تتعامل مع بيانات حساسة أو عمليات المقاصة المالية أو الأصول الرقمية أن تبدأ من الآن بمراجعة منظومة التشفير التي تعتمد عليها.* الرئيس التنفيذي الأول والمدير التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة**media[8169119,8169118,8169115]**