آب مصالحة الجبل.. يوم فُتحت صفحة جديدة في تاريخ لبنان

ليست كل التواريخ مجرد محطات في الروزنامة. فبعضها يبقى حاضرًا في الذاكرة الوطنية لأنه شكّل نقطة تحول في تاريخ البلاد. ويُعد الخامس من آب واحدًا من تلك المحطات، إذ ارتبط باختتام مسيرة مصالحة الجبل، التي أنهت مرحلة من الانقسام وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار والعيش المشترك.

جاءت هذه المصالحة بعد سنوات قاسية خلّفتها الحرب اللبنانية، وما رافقها من تهجير وانقسام بين أبناء المنطقة. ولم يكن تجاوز تلك المرحلة أمرًا سهلًا، لكنه بدأ بإرادة سياسية ووطنية رأت أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على استمرار الخصومة، بل على الاعتراف بالماضي والعمل على تجاوزه.

وشكّلت زيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير إلى الجبل عام ٢٠٠١، ولقاؤه التاريخي في المختارة مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، محطة مفصلية في هذا المسار. فقد حملت الزيارة دلالات وطنية عميقة، ورسّخت قناعة بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتثبيت الاستقرار وإعادة الثقة بين أبناء الجبل.

ولم تقتصر نتائج المصالحة على بعدها السياسي، بل انعكست على الحياة اليومية والاجتماعية، وأسهمت في تعزيز عودة المهجرين، وإحياء العلاقات بين القرى والبلدات، وإعادة التأكيد أن التنوع الذي يميّز الجبل يمكن أن يكون مصدر قوة لا سببًا للانقسام.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت مصالحة الجبل نموذجًا في كيفية معالجة آثار الصراعات بالحوار والإرادة المشتركة، بدل الإبقاء على الانقسامات رهينة الماضي. كما أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالاتفاقات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى مصالحة بين الناس، وإلى بناء الثقة تدريجيًا.

واليوم، لا تُستعاد هذه الذكرى من باب الحنين إلى الماضي، بل باعتبارها تجربة وطنية ما زالت تحمل الكثير من الدروس للبنان. ففي كل مرحلة يواجه فيها البلد تحديات جديدة، تبرز أهمية التمسك بالحوار، وحماية العيش المشترك، والابتعاد عن كل ما يعيد إنتاج الانقسامات.

لقد أثبتت مصالحة الجبل أن الإرادة الصادقة قادرة على طي صفحات مؤلمة من التاريخ، وأن ما يجمع اللبنانيين يبقى أكبر مما يفرّقهم. ومن هنا، تبقى هذه المناسبة دعوة متجددة إلى صون المصالحة الوطنية، والحفاظ على السلم الأهلي، والعمل من أجل دولة تجمع جميع أبنائها تحت سقف واحد.

يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.

يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.

حين يُحرم الطالب من الامتحان… يُحرم من حقّه في المستقبل

عن مذكرات وليد جنبلاط «قدر في هذا المشرق»..